ابو القاسم عبد الكريم القشيري

427

لطائف الإشارات

ف « كانَ » هاهنا في اللفظ صلة . . وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 30 ] قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) لما قالوا ذلك أنطق اللّه عيسى حتى قال : إني عبد اللّه ، فظهرت براءة ساحتها بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثله . وجرى على لسانه حتى قال : إني عبد اللّه ؛ ليقال للنصارى إن صدق عيسى أنه عبد اللّه بطل قولكم إنه ثالث ثلاثة ، وإن كذب فالذي يكذب لا يكون ابنا للّه ، وإنما يكون عبدا للّه ، وإذا لم يكن عبد هواه ، ولا في أسر شئ سواه فمن تحرر من غيره فهو في الحقيقة عبده . و « آتانِيَ الْكِتابَ » : أي سيؤتينى الكتاب أو آتاني في سابق حكمه . « وَجَعَلَنِي نَبِيًّا » بفضله . وفي الآية ردّ على من يقول إن النبوة تستحقّ بكثرة الطاعة لأنه قال ذلك في حال ولادته ؛ ولم تكن منه بعد عبادة وأخبر أن اللّه جعله نبيا « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) أي نافعا للخلق يرشدهم إلى أمور دينهم ، ويمنعهم من ارتكاب الزّلّة التي فيها هلاكهم ، ومن استضاء بنوره نجا . فهذه بركاته التي كانت تصل إلى الخلق . ومن بركاته إغاثة الملهوف ، وإعانة الضعيف ، ونصرة المظلوم ، ومواساة الفقير ، وإرشاد الضال ، والنصيحة للخلق ، وكفّ الأذى عنهم وحمل الأذى منهم . وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا أي لم يجعلني غير قابل للنصيحة .

--> ( 1 ) في موضع آخر حاول القشيري ان يوضح ضرورة استقلال عمل الإنسان والنظر إليه بعين الاستصغار رغبة منه في ربط كل شئ بالفضل والاجتباء الإلهيين ، فاستشهد بأن عيسى صار نبيا - وهو بعد لم تكن منه طاعة ولا عمل .